أحمد بن محمد ابن عربشاه
254
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
مثل هذا المقام بين الخواص والعوام يثلب الأعراض من الأمراض ، ويجهر بالسوء من القول ، ويصرف في الخنى « 1 » والسب ما له من قوة وحول ، كيف يحل السكوت عن جرائمه وتغطية مساويه وعظائمه ، فضلا عن أن تتجلى سيئاته في خلع الحسنات ، وتتحلى شوهاء سواخط أدعيته بملابس أحسن الدعوات ومع هذا يطالب له التوقع والخلاص والإطلاق من شرك الاقتناص ، وهو على ما هو عليه من الإساءة المنسوبة إليه . أما والله يا مولانا الهمام وسلطان الأنام ما قال إلا كذا كذا من قبيح الكلام وتناول العرض المصون بالسب والدعاء والملام فتغير خاطر الملك وتعكر وتشوش صافي خاطره وتكدر . ثم قال : أيها الوزير ذو الصدق في التحرير والله وحقك إنّ كذب هذا الوزير عندي خير من صدقك ، فإنه بكذبه أرضاني وإلى طريق الحق هداني ، وأصفى خاطري من الكدر ، وأطفأ ما كان تلهب في غيظي من شرر ، ونجاني من دم كنت أريقه ولا يهتدى إلى كيفية استحلاله طريقه ، فأصلح بذلك ذات البين وأصار المتعاديين أحسن محبين ، وخلد ذكرى بجميل الصفات ، وسلك بي طريقة أجدادي الرفات « 2 » ، وأما أنت فكدرت عيشى وآثرت غضبى وطيشى وأسمعتنى الكلام المرّ وقد مسني الضر ، وأما أنا فقد أعتقت هذا وأطلقته فلا أرجع في إيذائه وقد أعتقته ، وقد ثبت لهذا الوزير علىّ حقوق لا ينكرها إلا ذو عقوق ولا تسعها الأوراق والرقوق « 3 » ، فكذبه عندي خير من صدقك ، وباطله أحلى على قلبي من حقك ، ولهذا قال ذو الأفضال : ما كل ما يعلم يقال .
--> ( 1 ) الفحش في الكلام . ( 2 ) الأموات السابقين . ( 3 ) الرقوق ، مفردها رق : الورق والصحف .